محمد رأفت سعيد

27

تاريخ نزول القرآن الكريم

أخرج أحمد من حديث أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أوحى إليه وهو على ناقته وضعت جرانها ، والجران : هو مقدم عنقها من المذبح إلى المنحر « 1 » ، فلم تستطع أن تتحرك . صحّح الحاكم هذه الرواية ووافقه الذهبي « 2 » . ومن مظاهر الشدة كذلك : أن جاءه الوحي مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت رضي اللّه عنه ، فثقلت عليه حتى كادت ترضها ، فقد أخرج البخاري رحمه الله في التفسير من حديث زيد بن ثابت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أملى عليه « لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله » فجاء ابن أم مكتوم وهو يملها ، علىّ ، قال : يا رسول الله ! والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى ، فأنزل الله على رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وفخذه على فخذي ، فثقلت على حتى خفت أن ترض فخذي ، ثم سرى عنه ، فأنزل الله « غير أولى الضرر » . ولا يفهم من مظاهر هذه الشدة أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كان يغيب عن إحساسه ، كلا ، بل يظل الوعي حاضرا أثناء نزول الوحي ، وبعد أن يذهب ملك الوحي ، ولذلك جاءت صيغة الوعي في الروايات بالماضي والحاضر ، أي فقال صلى اللّه عليه وسلم : « فيفصم عنى ، وقد وعيت عنه ما قال » ويفصم : بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول ، وتقرأ كذلك بفتح أوله وسكون الفاء وكسر الصاد أي يفصم بمعنى يقلع ويتجلى ما ينشأ ، وأصل الفصم : القطع . وقيل الفصم بالفاء القطع بلا إبانة ، والقاف القطع بإبانة ، فذكر بالفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود مرة أخرى . فالوعي حاضر أثناء نزول الوحي بوجود الملك ، وموجود بعد أن يفارق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، بعد تبليغ ما أمر به وقد وعى عنه ما قال وما بلغه وما جاء به . وأما صيغة الحاضر ففي الرواية نفسها حيث يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فيكلمنى فأعي ما يقول » . وفي هذا رد على المغرضين والمشككين الذين يحاولون إثارة الشبهات بلا عقل فتكلموا في هذه المظاهر على أنها أعراض مرضية ، ويرد عليهم بأن هذه المظاهر لم يكن معها غيبة عن الحس كما يحدث في الأعراض المرضية ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها لما نزل الحجاب ، وأن أم المؤمنين سودة خرجت بعد ذلك إلى المناصع ليلا ( والمناصع : هي المواضع التي يتخلى فيها البول أو حاجة ) « 3 » فقال عمر : قد عرفناك يا سودة ، فرجعت إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فسألته وهو جالس يتعشى والعرق في يده ( والعرق العظم ، فإذا أكل لحم فعراق ، أو كلاهما لكلتيهما ) « 4 » ، فأوحى الله إليه

--> ( 1 ) القاموس المحيط 4 / 210 . ( 2 ) زاد المعاد 1 / 79 ، 80 . ( 3 ) القاموس المحيط 3 / 92 . ( 4 ) المرجع السابق 3 / 272 .